عظماء أمة - الحلقة 03 - #بودكاست

أسرار التاريخ المخفي: كيف قادت حركة التوحيد المسيحية والقبائل الجرمانية الطريق إلى الفتح الإسلامي؟

مقدمة: الجذور المنسية لصراع العقيدة

يكشف التاريخ عن صفحات طالما طواها التزوير وطمس معالمها المنتصرون؛ ومن أكثر تلك الصفحات إثارة هي الحقبة التي تلت مجمع نيقية الشهير (325م)، حيث لم يكن الصراع مجرد خلاف كنسي عابر، بل كان حرباً وجودية بين عقيدتي التثليث والتوحيد المسيحي (الآريوسية). هذا المقال يتتبع تفاصيل المخططات والتحولات التاريخية الكبرى التي قادها أبطال التوحيد عبر ستة عقود، ممهدة الفطرة الإنسانية في أوروبا وشمال إفريقيا لاستقبال الفتح الإسلامي كمحرر طال انتظاره.

حركة التصحيح الكبرى واغتيال بطل التوحيد

بعد انقضاء مجمع نيقية، تقرب الأسقف السوري يوسابيوس النيقوميدي من الإمبراطور قسطنطين العظيم، مقدماً له الوثائق التي تثبت أن دعوة آريوس (الشيخ الليبي الأمازيغي) هي العقيدة الحقيقية للمسيح، وأن إقرار القوانين الإلهية عبر التصويت البشري ليس من الدين في شيء. اقتنع الإمبراطور وبدأ حركة تصحيح تاريخية عزل خلالها قادة التثليث والتأليه؛ فنفى أثناسيوس أسقف الإسكندرية (عدو التوحيد الأول) إلى ألمانيا بعد ثبوت اتهامات بفساد مالي، سحر، وجرائم أخلاقية في مجمع صور (335م).

وفي عام 336م، استدعى الإمبراطور الشيخ آريوس البالغ من العمر 80 عاماً لإكرامه في القسطنطينية. وتذكر المراجع التاريخية المعاصرة أنه أثناء تجوله في شوارع المدينة، دُس له السم من قبل قادة الكنيسة النيقيين المتضررين من استعادة الموحدين لنفوذهم، فسقط بطل التوحيد شهيداً إثر نزيف حاد في أمعائه، ليموت ثابتاً كالجبل دون أن يحني رأسه.

عهد قسطنطينيوس الثاني: التوحيد ديناً رسمياً للإمبراطورية

لم يمت التوحيد بموت آريوس؛ ففي عام 337م أعلن الإمبراطور قسطنطين إسلامه وتعميده على عقيدة التوحيد (الآريوسية) قبيل وفاته على يد يوسابيوس. تلا ذلك صعود ابنه الإمبراطور البطل قسطنطينيوس الثاني، الذي وحّد كامل أراضي الإمبراطورية الرومانية (من إنجلترا وإسبانيا إلى الشام ومصر) بحلول عام 350م، معلناً المسيحية التوحيدية ديناً رسمياً للدولة.

ألغى قسطنطينيوس قرارات نيقية عبر مجامع مسكونية كمجمع ميلانو (355م). وبدعم من زوجته الإمبراطورة يوسيبيا، نشطت البعثات الدعوية عالمياً، وكان أبرزها إرسال الداعية "فوليوس الهندي" الذي نشر عقيدة التوحيد في الحبشة واليمن، وهو ما يفسر تاريخياً العقيدة التوحيدية المتقاطعة مع الفطرة التي كان عليها النجاشي ملك الحبشة.

الارتداد الكنسي، مجمع 381م ومبتكر عقيدة التعذيب

عقب مجيء جوليان المرتد وثم الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، شُنت حرب إبادة جماعية مرعبة ضد الأغلبية الموحدة في القسطنطينية والعالم. وفي مجمع القسطنطينية (381م) – أي بعد 380 عاماً من ميلاد المسيح – أُدخل الروح القدس رسمياً كإله معبود لتكتمل أضلاع الثالوث المقدس (التثليث) لأول مرة في التاريخ، وعمدت الكنيسة المثلثة لاحقاً إلى إسقاط وحذف جميع المجامع الموحدة التي عُقدت طوال 60 عاماً لتزوير الوعي التاريخي.

تزامن ذلك مع ظهور الأسقف أوجستين (روماني الأصل من الجزائر وليس أمازيغياً)، الذي دمج الفلسفة المانوية الوثنية بالمسيحية، وصار المشرع الكنسي الأول لنظام التعذيب ومحاكم التفتيش لإجبار الموحدين على التثليث، مما تسبب في تهجير آلاف الموحدين إلى أطراف الأرض.

ممالك التوحيد الجرمانية وفتح روما الأول

أثمرت البذور التي زرعها يوسابيوس النيقوميدي عبر تلميذه البطل "يولفيلاس" (الذئب الصغير)؛ إذ نجح الأخير في نشر التوحيد بين القبائل الجرمانية (الألمانية) في أوروبا، فصارت شعوباً موحدة واجهت الطغيان الروماني الكاثوليكي. وقاد الملك القوطي الموحد "ألاريك الأول" جيوشه ليهزم الرومان ويدخل عاصمتهم التاريخية روما عام 410م لأول مرة في تاريخها مسترداً حقوق الموحدين. تأسست بناءً على ذلك مملكة القوط الغربيين الموحدة الشاسعة (اسبانيا، البرتغال، فرنسا) وعاصمتها تولوز، والتي برز من ملوكها ثيودوريك الأول (الملهم لشخصية ملك روهان في الروايات العالمية).

مملكة الفاندال وسحق الأسطول الروماني

في سياق متصل، هاجر شعب الفاندال الجرماني الموحد هرباً من البرد ومن ضربات الرومان، واستقروا جنوب إسبانيا لتُسمى المنطقة نسبة إليهم "فاندالوسيا" (الأندلس). وتحت قيادة ملكهم العبقري "جايسيرك"، عبروا المضيق نحو شمال إفريقيا عام 429م، وحرروا المغرب والجزائر وتونس، وحاصروا الطاغية أوجستين في عنابة حتى مات رعباً.

وفي عام 455م أبحر جايسيرك وفتح روما للمرة الثانية سلماً. ورداً على ذلك، جهز الرومان أضخم أسطول بحري في التاريخ القديم (أكثر من 1100 سفينة و100 ألف جندي) لإبادة الفاندال، لكن جايسيرك سحقهم بالكامل في معركة "كيب بون" البحرية عام 468م بتونس مستخدماً حيلة "السفن المشتعلة".

الخلاصة: تمهيد الأرض للبعثة المحمدية والفتح الإسلامي

مع حلول القرن السادس، مارس الإمبراطور جوستينيان إبادة تامة للممالك الموحدة، وتحول ملوك القوط سياسياً إلى الكاثوليكية وبدأوا باضطهاد اليهود والموحدين المتبقين. في هذه الأثناء، ولد النبي محمد ﷺ لتجديد التوحيد الخالص في الأرض، وحين أرسل رسالته إلى هرقل تضمنت عبارة حاسمة: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" (أي الموحدين الأتباع الأوائل لآريوس).

هذا الإرث الثقافي والعقدي التوحيدي الممتد لأكثر من قرن ونصف بين الأمازيغ والقوط والشوام والأقباط، هو السر الحقيقي وراء الفتح الإسلامي السريع؛ حيث استقبلت هذه الشعوب المضطهدة الجيوش الإسلامية كمحررين، وساعد القوط المنفيون واليهود طارق بن زياد وموسى بن نصير، فدخلت تلك الأموع في دين الله أفواجاً وطواعية، لعدم وجود أي فارق بين فطرتهم الآريوسية التوحيدية القديمة وبين جوهر الدين الإسلامي النقي.

الغلاف

جاري التحميل...

استمع الان الى الحلقة
00:00
00:00
مدة الحلقة: 01:01:01
مشاركات أقدم المقال التالي